الشيخ محمد الصادقي الطهراني

338

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

إصرار تلو إصرار واستكبار ، إصرار الداعية على دعوة الحق في محاولة دائبة ، وتحيّن الفرص لتبليغهم إياه ، وإصرارهم تجاهه في ادبار واستكبار كأنهم يدعون إلى الموت ! وهو يدعوهم إلى الحياة ، ليغفر اللّه لهم ذنوبهم ويحييهم حياتا طيبة ! . ظلوا في محاولة عنيدة بغيضة كيلا يسمعوا نوحا ولا يروه بطريقة صبيانية حمقاء ، بسد الآذان عن سماع الحق ، وستر العيون عن رؤية داعية الحق ، برد الثياب ، وهذا منتهى الضلال . لقد جرّب نوح كافة الأساليب في دعوتهم علهم يهتدون ، وهم قابلوه بكافة أساليب التمرد والعصيان وظلوا معاندين . فمن حيث الزمن : الف سنة إلا خمسين عاما ، وفي مواصلة دعاءهم ليل نهار ، وفي ملاحقتهم حالة الفرار لم يخل مجالا ، وفي كيفيتها : إسرارا ثم إعلانا ، ثم إعلانا وإسرارا : ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً : فقد يوحي بسابق الإسرار ، وهو بطبيعة الحال مستهل الدعوة : فلو ابتدأت جهارا واجهت حملة جماهيرية قاضية ، فلا بد من الإسرار أولا كي تجد جوا صالحا وركيزة تتركز عليها الدعوة في المارقين . ثم إذا واجهت قبولا ولو قليلا ، أم لم تواجه ، فالإعلان ، علّها تثير عطف الجماهير وتحرك فكرهم وتنير فطرهم عل فيهم من يُقبل ويَقبل . ثم أخيرا لا بد من الجمع بين الإعلان والإسرار ، كلّ في مجاله المناسب وجوّه اللائق : ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً : إسرارا ليدخل شغاف القلوب وعل القابل يقبل فيلحق دون خجل من الجماهير العنيدة ، وإعلانا لتعزيز كلمة الحق ، ولتظهر القابليات على رؤوس الأشهاد ، ولقد حملت الدعوة - فيما حملت - ترغيبهم بالحق فوعدتهم بمتطلبات الحياة الدنيا ، رغم انها ليست دار جزاء ، وتحريكا لعقولهم وعواطفهم وضمائرهم ، وتنديدا بهؤلاء الذين قلوبهم قلوب الشياطين فلا يعرفون أو يفهمون كلمة الحق ! : فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً : لا يذهب استغفاركم هباء ، لأن اللّه تعالى غفار في